السيد عبد الأعلى السبزواري
34
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ سورة ص ، الآية : 71 ] ، وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [ سورة الأنعام ، الآية : 2 ] . وأما العلّة الصورية قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ، وقال تبارك وتعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ سورة الحشر ، الآية : 24 ] . وأما الغائية فقد قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ سورة البقرة ، الآية : 29 ] . فجميع الموجودات يحبّ الإنسان محبّة تكوينية ، فالكلّ مسخّر له ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ سورة لقمان ، الآية : 20 ] ، كما أن الإنسان بطبعه يحبّ جميع الموجودات لفرض تفانيها فيه ، فتكون المحبّة والعشق من الطرفين ( أي تعاشقا ) ، فالموجودات كالشجرة بالنسبة للإنسان وهو كالثمرة ، فخلقت الدنيا له ولأجله . فلا بد للإنسان من بذل الجهد لكشف أسرار الموجودات ورموزها واستخراج الحقائق منها ، وذلك لا يكون إلا بالارتباط التامّ مع الربّ المطلق والقيوم بالحقّ ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ سورة الأعراف ، الآية : 96 ] ، فهو أشدّ أنحاء العلم وأمتنه وأقواه ، كما أثبته الفلاسفة - من قديمهم وحديثهم - وجميع أهل العرفان . ولكن الإنسان قصّر في ذلك ، فأوقع نفسه في ظلمات بعضها فوق بعض ، لا يمكنه التخلّص عن بعضها فكيف عن جميعها ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ سورة الحديد ، الآية : 28 ] ، وليس المراد بهذا المشي في طريق خاص أو علم مخصوص ، بل المشي في جميع أبواب العلوم والمعارف ، مشيا مطابقا للواقع يصل إلى النتيجة الحقّة ، قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ سورة الحشر ، الآية : 19 ] .